تعريفات و أصول و قواعد
ابتداءاً.. قبل أن نبدا في بحث المسألة.. نحتاج إلى توضيح الأسس التي ننطلق منها..
نحتاج أولا أن نفهم المصطلحات التي نبحث حولها..
و نحتاج لأن نعرف الأصول و القواعد و الثوابت التي نبحث بناءا عليها..
أولا: تعريفات..
كثيرا ما ينشأ الخلط و الخلاف في مسألة ما بسبب عدم أو نقص تصور أو فهم مُفرداتها.. و دفعا لمورد الاشتباه.. فنحتاج لأن نفهم من الناحية اللغوية عمَّ نتحدث أصلا.. حتى لاندع مجالا لخلاف ينشأ بسبب اختلاف الفهم..
استعمل السابقون مصطلح (السَّماع) للحديث عن المسألة التي نقوم ببحثها.. يعنون بها (الغناء و الموسيقى)..
معنى (الغناء):
إذا رجعنا إلى كتب الأصول..
نجد في لسان العرب في مادة (غنا) معنى (الغناء) كالتالي:
الغِناءُ من الصَوتِ: ما طُرِّبَ به..
قالَ حُمَيْدُ بنُ ثَوْرِ:
عَجِبْتُ لَها أنى يَكونُ غِناؤها * فَصيحاً، ولم تَفْغَرْبمَنْطِقها فَما
و قال الخطابي في كتابه "غريب الحديث" :
كُل مَن رَفَعَ صَوتَهُ بشَيءِ وَوالى بهِ مَرَةَ بعدَ أخرَى، فصَوتُهُ عندَ العَرَبِ غِناءٌ ، وأكثَرُهُ فيما شاقَ مِن صَوتِ، أو شَجا مِن نَغمَةٍ ولُحِّنَ، ولذلكَ قيلَ: غَنَّتِ الحَمامَةُ، وتَغنَّى الطائرُ، قالَ المجنونُ (يعني قيس ليلى):
ألا قاتَلَ الله الحَمامَةَ غُدْوَةَ * على الغُصْنِ ماذا هَيًجَتْ حينَ غَنَّتِ
وَقالَ آخَرُ:
تَغنَّى الطائرانِ بِبَيْنِ سَلْمى * على غُصْنينِ مِن غَرَبٍ وَبانٍ
إلى هنا.. لا يوجد خلاف حول عموم معنى المصطلح.. إذ أنه أعم من أن يكون مجرد تغني بالشعر.. لكنه فيه أغلب.. و به ألصق.. من أجل الأوزان و القوافي و موسيقاها الداخلية..
قالَ ابنُ سِيِدَه في مادة (غنا) في لسان العرب: "وعِتدي أنَّ الغَزَلَ والمدحَ والهِجاءَ إنما يُقالُ في كُل واحدِ منها: غَنَيْتُ، وتغنَّيتُ، بغدَ أن يُلَحَّنَ فيُغَنى بهِ ".
و أطلق بعضهم أن الغناء هو "الترنم"..
و منه : النشيد.. و غناء الأعراب المسمى بـ"الحُداء" بضم الحاء و كسرها.. و أيضاً ترجيع الصوت .. المسمى بـ"النَّصب".
و الخلاصة..: أن الغناء صوت يُوالى به مرة بعد مرة بتلحين و تطريب، و يدخل فيه الصفير و التصفيق، بل هو كصوت فلا يختص بالكائنات الحية فقط.. بل تُسمى أيضا أصوات الموسيقى "غناءاً" و آلاتها "آلات غناء"
و "الغناء" على معنى الفن المتعارف عليه.. يبينه ابن خلدون في مقدمته بقوله :
"هذهِ الصناعَةُ هِيَ تَلحينُ الأشعارِ الموزونَةِ، بتَقطيعِ الأصواتِ على نِسَب مُنتَظِمَةٍ مَعروفَة، يُوقَّعُ على كُل صَوت منها توقيعاَ عندَ قَطعِهِ فيكونُ نَغمَةَ، ثم تؤلفُ تلكَ النُغَمُ بعضُها إلى بعض على نِسَب مُتَعارَفَة، فيلذ سَماعُها لأجلِ ذلكَ التناسبِ، وما يحدُث عنهُ من الكيفيةِ في تلكَ الأصواتِ ".
والغناء أنواعٌ بحسَبِ أثَرِهِ في السامِعِ ..
فمنه: ما يُبكِي وُيرقِّقُ، وهُوَ الغِناءُ بشِعرِ الغَزَلِ، والتَّشوُّقِ إلى الوَطَنِ، والبُكاءِ على الشبابِ، والمراثي، والزْهدِ.
ومنهُ: ما يُشَوقُ وتَرتاحُ له النفسُ، مثل: صِفة الأشجارِ، والزهرِ، والمتنزهاتِ، والصيدِ.
ومنْهُ: ما يَسُر ويفرِحُ ويحث على الكَرَمِ، مثلُ: المديحِ، والفَخرِ.
ومتهُ: ما يُشَجعُ، مثلُ شِعرِ الحَربِ.
وذَكَرَ أهلُ الأدَبِ أن الغِناءَ عتدَ العَرَبِ كانَ على ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
(النَّصبُ)، وهُوَ أكثَرُ غِناءِ العَرَبِ في الجاهليةِ وصَدرِ الإسلامَ، ويُسمونَه (غناءَ الركبانِ)، وُيقالُ له أيضاَ: (المراثي)، وُيغنيهِ الفِتيانُ.
و (السِّنادُ)، وهُوَ: الثقيلُ ذُو التَرجيعِ والنغَمِ والنَّبرِ.
و (الهَزَجُ)، وهُوَ: الخَفيفُ الَّذي يُمشَى عليهِ وُيلْهِي وَيستخف الأحلام، وهُوَ ما يُمكِنُ تَسمِيَتُهُ اليوم: الأغاني الراقِصَة، ويُجمَعُ على (أهازيج).
وَهذهِ القِسمَةُ على ضذ زَعْمِ بَعْضِهم أن الغِناءَ عنْدَ العَرَبِ هُوَ (النصب) خاصَة، وبعضُهم قالَ: (غِناءُ الأعراب)، وغَز هؤلاءِ كَثرَةُ ذِكرِ (الحُداء)، وَكانَ من أغراضِهِ حَث الإبلِ على السيرِ، وهذا لأهلِ البادِيَة، والراكِب المسافر،
و لكن ما أعجب أن يتلهى بالغناء البدوس المسافر.. ولا يتلهى به من استقر به المقام في المدن و الحواضر!.. إذ يجد من فُسحة الوقت و من الرخاء و الرفاهية أكثر مما يجد سواه
و (الغناء) عند محترفيه فن وأدب، لا مجرد متعة، وله قوانينه وأساليبه، وإن كان كشأن غيره من الفنون، يتجرأ عليه من يحسنه ومن لا يحسنه، بل تقحُّم هذا الفن أكثر من تقحُّم غيره، لاتصاله باللهو المشتهى للنفس، وجريه مع العادات والأعراف.
لذا تجد في المنسوبين له أناساً سِمَتُهم العبث والفسق، لا يضبطهم قانون، كشأن زماننا الذي فسدت فيه الأذواق، وضعفت مكارم الأخلاق، وجاءت الفتوى لتعظيم الشقة بين أهل الفن والدين، فلما عُزل هؤلاء عن أهل التدين، استفردوا دون رقابة بما يغرون به العامة، وأحدهم على صفة ذاك ائذي كان يغني قوماً من أهل البصرة، فجعل يكسر عينيه في غنائه ويمط خديه ويثني أصابعه، فبعد أن فرغ سأل أعرابياً عن غنائه، فقال الأعرابي:
أراك صحيحا قبل شدوك سالماً * فلما تغنيت استفاء لك الخَبَل
فإن كان ترجيع الغناء مورثاً * جنوناً، فأخزى الله ذلك من عمل
معنى (الموسيقى): في "المعجم الوجيز".. نجد التعريف التالي:
الموسيقى: لفظ يطلق على فنون العزف على الات الطرب.
و (علم الموسيقى): علم يبحث فيه عن أحوال النغم من حيث الاتفاق والتنافر، وأحوال الأزمنة المتخللة بين النقرات من حيث الوزن وعدمه ليعرف كيف يؤلف اللحن.
المعازف، وكانوا يسمونها: الملاهي، هي: آلات العزف.
والأصل في مادة (عزف) الدلالة على معنيين:
الأول: الانصراف عن الشيء، يقال: (عزفت عن الشيئ) إذا انصرفت عنه..
والثاني: الصوت، ومنه (العزيف)، وهو أصوات الجن، ومنه (عزف الرياح) وهو صوتها ودويها،
قال ابن فارس في "مقاييس اللغة": "واشتق من هذا العزف في اللعب والملاهي ".
وقال الجوهري في "الصِّحاح": "والمعازف: الملاهي، والعازف: اللاعب بها، والمغني ".
ومفرد (المعازف) مِعزَف، ومِعزَفة، والعزف: اللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يُضرب.
فـ(المعازف) إذا ملاهي مخصوصة، فلا يصح القول مثلا لـ(الكرة) التي يُلعب بها: مِعزف، مع انها من الملاهي، وإنما (المعازف) الآلات التي يلعب بها: بالضرب عليها، كالطبل والدف والعود والقانون والبيانو. أو النفخ فيها، كالمزمار والبوق، فتحدث الأصوات المُلَحنة المتناسبة مع أصوات الغناء، بتصرف الضارب أو النافخ.
ولأجله سمي المغني (عازفاً).
وما يندرج تحت مسمى (الالة) التي تستعمل في هذا المعنى جميع الات العزف قديمها وحديثها.
وقذ ذكروا الدف كثيرا وعينوه بالتمثيل لكثرة استعماله وغلبته على ما كان موجودا عند العرب من سائر الآلات، ولعل ذلك لسهولة اقتنائه، وذلك صريح منهم بأن الدف (مِعزَف)، وهو تصريح مطابق لما تقدم من تعريف المعازف، وبه نعلم خطأ من زعم أنه ليس منها، فقوله خارج عن لغة العرب واستعمالها و سنتعرض لذلك لاحقا في حديث علي بن أبي طالب.. فيما هم به النبي "ً" من أمر الجاهلية.. أنه "ص" سمى الضرب بالدف "عزفاً".
الآلات الموسيقية على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: القرعية، وهي التي يضرب عليها باليد أو الأصابع،أو بقضيب. أو ما يسمى بالآلات الإيقاعية.
ومنها: الدف، والطبل، ومن أسماء الدف: الغربال.
وقد يكون الدف بجلاجل أو صنوج ، ويكون بدونها، ولا يأتي التنبيه على ذلك في النصوص، لذا
يحتمل أن يكون على الصفتين، وإن ذهب طائفة من الفقهاء إلى التفريق، فيقولون: الدف ما كان بغير جلاجل أو صنوج، فإن كان بجلاجل أو صنوج فهو (المِزهر)، كذا قالوا! وهو خلاف المعروف عن أهل اللسان في (المزهر)، فهو عندهم الة العود، وليس الدف بالجلاجل أو الصنوج.
ومن طبولهم: الكَبَر، وهو فيما قال ابن الأثير: "الطبل ذو الرأسين، وقيل: الطبل اتذي له وجه واحد".
القسم الثاني: النفخية، وهي المصنوعة على صفة التجويف، ينفخ فيها على صفات مخصوصة، فتصدر أصواتأ مقسمة وفق معرفة أهل الصنعة.
ومنها: المزمار، وهو قصبة مجوفة بثقوب معدودة، يتفخ فيها فتخرج صوتاً يصرف من قبل الزامر بها وفق نسب معينة معروفة له.
وهو ذاته (الشبابة)، و (اليراع) و (الموصول) و (الناي).
وحيث استُعملت هذه اللفظة في مواضع عدة على معانٍ، فهذا توقيف على وجهها وما تأتي عليه:
اعلم أن الأصل في مادة (زمر) الدلالة على معنيين:
الأول: قِلَة الشيء، ومنه (رجل زَمرُ المروءة) أي قليلها.
والثاني: جنس من الأصوات، الزَّمر، والزَّمارُ: صوت النعامة.
ومن هذا اشتُقت (الزُّمرة) وهي الجماعة، لأنها إذا اجتمعت كانت لها جلبة وزِمار.
ومنه آلة الزَّمر (المزمار) وهو قصبة الزمر، والزمر بالمزمار: الغناء بالقصب.
فيقال للقصبة: (زَمَّارة)، وللمرأة المغنية: (زَمَّارة)، كما يقال: (غناء زَمير) أي حسن، وزَمَّر: إذا غنَّى ، كما يقال في الآلة: (مزمار) و (مَزمور).
وقوله "ص" لأبي موسى الأشعري: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود"
* حديث صحيح متفق عليه. أخرجه البخاري و مسلم..
و قال له النبي "ص" ذلك تشبيها لصوته بصوت المزمار، لحُسنه وحلاوة نغمته، ثم التشبيه بمزامير داود خاصة، قيل: لذات الصوت، فقد كان إلى داود المنتهى في حسن الصوت، وفي بعض أخبار بني إسرائيل: ان المزمار كان مِعزَفة، وربما تقويه قرينة "ال داود" مع ظاهر الجمع
بمزامير داود خاصة، قيل: لذات الصوت، فقد كان إلى داود المنتهى في حسن الصوت، وفي بعض أخبار بني إسرائيل: ان المزمار كان مِعزَفة، وربما تقويه قرينة "ال داود" مع ظاهر الجمع للمزامير، فإن الأشبه أنها كانت الالات، والله أعلم.
والمقصود في الحديث مدح ابي موسى في حسن صوته بالقرآن، وأنه كان يشبه حسنه حسن أصوات المزامير.
وورد ذكر الزَّمَّارة بمعنى (القصبة) التي يزمر بها في حديث ابن عمر في زَّمَّارة الراعي .. و هو حديث صحيح متفق عليه، وفيه: "سمع صوت زمارة راع "، وفي رواية أخرى صحيحة: "فسمع صوت زامر"، والتفسير: سمع صوت زمر من راع بمزماره.
وأما قول أبي بكر الصديق: "مزمار الشيطان " و"مزمارة" و"مزمور" على اختلاف الروايات، حين رأى جوارٍ في بيت عائشة يغنين ويضربن بدفين، فمراد به الدف، كما يحتمل أئه أراد به مجموع ما كن يفعلن من ضرب الدف والغناء، لأن الغناء يسمى (زمراً) كما تقدم، ومنه قالوا للمغنية: (زمَّارة).
فالمزمار إذاً: الآلة، والغناء..
والزَّمارة: الالة، والمغنية.
لكن ليس منه حديث النهي عن كسب الزَّمَّارة، لأن الزمارة فيه هي الزانية، وسيأتي لذلك مزيد بيان.
و (البوق) غير (المزمار)، فهذا من نحاس، أجوف أيضاً، وهو معروف.
القسم الثالث: الوترية، وهي ذوات الأوتار الممددة على الة صنعت على هيئة إذا ضرب على الوتر منها أو مرر عليه عود أو شيء أخرجت صوتاً، يُصَّرِّف ذلك الصوت على صفة خاصة يميزها أهلها.
ومنها (العود)، وهو معروف.
ومن أسمائه: المِزهر، والبَربط، والطنبور، وقيل: الطتبور يشبه العود.
ومتها: الرَّباب، أو الربابة، ويكثر استعمالها في البوادي.
و (الموسيقى) في زماننا فن وأدب، وعلم، ومادة تدرس في المدارس في مراحل التعليم المختلفة، حتى يتم التخصص فيها، كعلم من العلوم، ليس أدنى حالا من كثير من العلوم الأدبية، وذلك في أكثر دول العالم، ووجه ذلك: أنه علم له أصوله وقوانينه، ويُعَبِّر في كل بيئة ومجتمع عن جزء من الهوية لأبناء ذلك المجتمع، حتى تجد الشعوب تتفنن
لإبراز ذلك الانتماء إلى البلد والمجتمع بمعزوفات وألحان خاصة.
كفاية كدة عليكم
اصول وقواعد اللغة هنزلهم بموضوع تانى
علشان ميبقاش طول اكثر من كدة ويرخم فى القراءة معاكم
تحياتى حبيبة الروح